السؤال:

إذا وقع الإنسان في الأسر ، وطلب منه الأعداء إفشاء الأسرار العسكرية أو شيئا مما يتعلق بمصلحة البلاد ؟ فهل يجب عليه أن يصدقهم؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
فالكذب حرام شرعا، إلا إذا كانت هناك مصلحة تتحقق من هذا الكذب دون حدوث ضرر، بل قد يصل الكذب إلى حد الوجوب، كالكذب على الأعداء، وعدم إفشاء أسرار الدولة ونحوها من القضايا الكبرى .

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي :
لا شك أن هذا الصمود، وتحمل الأذى والصبر على العذاب الشديد، من الأسير، بغية إنقاذ إخوانه من الأسر والاعتقال والمحاكمة، يعد من دلائل صدق الإيمان، ومن أعظم الأعمال التي يتقرب بها المسلم إلى ربه، فهو يفدي إخوانه بنفسه، ويتعرض لكل هذا البلاء من أجلهم، وربما يعلم أنهم أضعف طاقة منه، وأعجز عن احتمال ما يحتمل من البلاء، فقد يعرضهم هذا لفتنة في دينهم .
إن الأسير الذي يصبر على كل هذا لله وحده، ولدفع الضرر والأذى عن إخوانه في الله لهو من المؤمنين الذين “يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”.ولا يصبر على مثله إلا أولو العزم من الرجال، وقليل ما هم .
وإذا كان قوله تعالى:(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9) قد نـزل في مدح الأنصار والثناء عليهم، والإشارة إلى أنهم من أهل الفلاح، وقد نزلت فيمن آثر بطعامه ضيوفه، وبات هو وأهله جائعين، فكيف بمن آثر إخوانه بنفسه وجسده ودمه وراحته؟ إن هذا لمن أعلى درجات الإيثار وأعظمها عند الله تبارك وتعالى، وأهل هذه الدرجة من أهل الفلاح والفوز برضوان الله تعالى وجناته إن شاء الله .

وقد عرفت من هؤلاء من سقطوا صرعى، واستعذبوا الموت في سبيل الله في السجن الحربي، ولا يكشفوا ستر إخوانهم .
فلا نملك إلا أن ندعو الله لهم أن يكرمهم ويعزهم أحياء، ويغفر لهم ويرحمهم أمواتا. فهم أحق بهذه الآية الكريمة:{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } الأحزاب:23-24

ومن اعترف على أحد من إخوانه أمام المحقق، تحت وطأة التعذيب الشديد المكثف، الذي نفد صبره معه، وعجزت طاقته عن استمرار احتماله، فهو داخل في باب (المكره) الذي فقد إرادته، في هذه الحالة، وهي ـ مع العقل ـ أساس التكليف. وقد رخص القرآن للمكره أن ينطق بكلمة الكفر، فرارا من شدة الإيذاء،  وفداحة التعذيب، ما دام قلبه مطمئنا بالإيمان، كما حدث لسيدنا عمار بن ياسر، حين نطق مكرها بمدح آلهة المشركين، وذم النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك كله بطرف لسانه، وقلبه على عكس ذلك، فنـزل في ذلك قوله تعالى:{ مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا

فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } النحل:106
وجاء في الحديث النبوي:”إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ”
والمطلوب من المسلم في هذه الحال أن يوطن نفسه على الصبر واحتمال الأذى ما استطاع، فإذا نفد صبره وطاقته، فاعترف، فلا إثم عليه إن شاء الله، ولا كفارة. إلا أن يسأل ربه العفو والمغفرة عما صدر منه، فهذا محمود ومطلوب في كل حال .

ويقول الشيخ السيد محمد حسين فضل الله من كبار المرجعيات الشيعية بلبنان- بتصرف يسير:

الكذب حرام في كل موقع إلا في المواقع التي يمثل الكذب فيها حماية للقضايا الكبرى، فعندما يحقق معي العدو ليطلب مني أسرار شعبي، من أسرار سياسية أو اقتصادية، أو أسرار المقاومة، ويطلب مني أن أحلف بالله العظيم، فإننا نعتبر أنه يجب الكذب في هذه الحال ويحرم الصدق، وهكذا إذا كان هناك من يلاحق شخصاً بريئاً مؤمناً أو أشخاصا أبرياء وطلب مني أن أخبره بمكانهم الذي أعرفه، هنا يأتي القول الإسلامي المعروف: “احلف بالله كاذباً ونجِّ أخاك من القتل”، ولكن لا يجوز الكذب في تزوير التاريخ، ولا سيما إذا كان كذباً يستنطق النماذج الطيبة في حياة البشر كنوع من رفع شأنهم
ومن أنسب إليه هذا القول لم يقله، فهذا كذب لا يجوز.أ.هـ

وجاء في “الزواجر لابن حجر الهيثمي ـ ” أن الكذب قد يُباح وقد يَجِب ، والضابط ـ كما في إحياء علوم الدين ـ أنَّ كُلَّ مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصِّدق والكَذِب جميعًا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل بالكذب وحده فمُباح إن أبيح تحصيل ذلك المقصود، وواجب إن وجب تحصيل ذلك، كما لو رأى معصومًا اختفى من ظالم يريد قتله أو إيذاءه فالكذب هنا واجب لوجوب عِصْمَته دم المعصوم.

والله أعلم