السؤال:

تظهر كل ساعة وأخرى معاملة تجارية جديدة، قد تختلف تماما عن المعاملات التي كانت قبلها، وإذا بحثنا عن نصوص شرعية تتحدث عنه تحليلا، وتحريما فإننا لا نجد، وكذلك لا نجد في كتب الفقهاء كلاما عنها بوصفها، ثم نتفاجأ ببعض الفقهاء المعاصرين يذهب إلى جوازها، ولا يورد على ذلك أدلة تنص على الجواز، غاية ما يقوله : إنها لا تشتمل على شيء حرمه الله عز وجل والسؤال هل يكفي هذا التبرير في تمرير هذه المعاملات؟ أم لا بد من أن نجد نصا شرعيا بجوازها?

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

جاء الإسلام فوجد الناس يبيعون ، ويشترون، ويؤاجرون، ويشتركون، فاكتفى الإسلام بتهذيب هذه المعاملات، ووضع لها من الضوابط والقوانين ما يمنع من الضرر والغش ، والخديعة، والظلم، وما يؤدي إلى المنازعة، ولم يحصر معاملات الناس في صور بعينها، ويحرم ما عداها، بل اكتفى بوضع أطر تضمن المباديء التي قررها لمنع التظالم، والتنازع، فكل معاملة ضبطت بهذه الضوابط فهي معاملة جائزة، وإن لم ينص الشرع على ذلك.
يقول الدكتور حسام الدين عفانه أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس:

اإن الأصل في باب المعاملات في الشريعة الإسلامية هو الإباحة وبناءً على ذلك لا يجوز منع أي معاملة إلا بنص صريح من الشارع الحكيم أو قياس صحيح عليه . ويدل على ذلك قوله تعالى :( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) سورة المائدة الآية 1 . فالآية الكريمة أوجبت الوفاء بالعقود من غير تعيين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:-
[ والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه إذ الدين ما شرعه الله والحرام ما حرمه الله بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دين الله ما لم يحرمه الله وأشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ، اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته والحرام ما حرمته والدين ما شرعته ].

ويقول العلامة الشيخ يوسف القرضاوي:

[ إن الأصل في المعاملات والعقود الإذن والإباحة إلا ما جاء نص صحيح الثبوت صريح الدلالة يمنعه ويحرمه فيوقف عنده … وهذا بخلاف العبادات التي تقرر : أن الأصل فيها المنع حتى يجيء نص من الشارع لئلا يشرع الناس في الدين ما لم يأذن به الله فإذا كان الأساس الأول للدين ألا يعبد إلا الله فإن الأساس الثاني ألا يعبد الله إلا بما شرع . وهذه التفرقة أساسية ومهمة فلا يجوز أن يقال لعالم : أين الدليل على إباحة هذا العقد أو هذه المعاملة ؟ إذ الدليل ليس على المبيح لأنه جاء على الأصل وإنما الدليل على المُحّرّم ، والدليل المحرم يجب أن يكون نصاً لا شبهة فيه كما هو اتجاه السلف الذين نقل عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم ما كانوا يطلقون الحرام إلا على ما علم تحريمه جزماً ].
كما وأن الأصل في البيع الحل لعموم قوله تعالى :( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) سورة البقرة الآية .275

والله أعلم .