السؤال:

هل يمكن تدريس مادة التربية الجنسية في المدارس والجامعات ؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
فلم يهمل الإسلام الجنس ، بل طرح الجنس في الفقه الإسلامي بصورة واضحة ، ووضع له الأطر الحاكمة ، وما يباح فيه وما يحظر .
وتدريس مادة التربية الجنسية لا حرج فيه شرعا ، بشرط أن تتناسب المادة المقدمة للمرحلة العمرية من الدراسة ، وأن يراعى فيها ما قد يثير الجنسين ، وأن تقدم بشكل علمي مع إبراز الجوانب الشرعية فيها، وهذا أفضل من معرفتها من وسائل الإعلام التي قد يغيب عنها الجانب الشرعي .

ولابد في عرض المسألة أن يركز على الجانب العلمي والبعد عن كل وسيلة من شأنها إثارة الشهوة الجنسية ، مع ذلك الانحراف المنتشر بين الشباب خاصة .

يقول العلامة الشيخ محمد حسين فضل الله المرجع الشيعي الكبير :

الجنس في الإسلام هو حاجة طبيعية إنسانية ويدخل ضمن ثقافة المسلم الروحانية والفقهية. فنحن نلاحظ أن القرآن تحدث عن موضوعات جنسية عدة بأسلوب معين. كما أن الفقه الإسلامي تحدث في الموضوعات الجنسية التي تقع ضمن الالتزامات الشرعية بشكل صريح .
وتحدث عن الجنس في الحديث عن الدورة الشهرية، الجنابة، والزنا والشذوذ، ما يعني أنه ليس هناك أية محرمات في الحديث عن الموضوعات الجنسية بصراحة. حتى أن كبار العلماء من مختلف المذاهب يتحدثون بطريقة أو بأخرى عن الموضوعات الجنسية، وعن طريقة ممارسة العلاقة الجنسية بكل صراحة. لذلك، فإن المسألة من ناحية المبدأ لا تمثل محرماً .

لكننا نعرف أن التطورات الحضارية التي مرت على الإسلام والمسلمين من خلال العلاقات مع الشعوب الأخرى أو في علاقاتهم ببعض الانتماءات الدينية الأخرى التي تعتبر الجنس عاراً أو عيباً ربما خلق ضبابية في الحديث الجنسي، وتطور ذلك إلى أن أصبح عيباً أو محرماً في المسألة الثقافية والاجتماعية. في ضوء هذا فإن للمجتمعات الإسلامية أو الشرقية وضعاً معيناً في المسألة الجنسية، بحيث إنه قد يثير أكثر من حساسية في ما يتعلق بالتقاليد الاجتماعية إلى الحد الذي قد يشعر الناس بأن التحدث في هذا الموضوع في الهواء الطلق قد يمثل دعوة إلى الانحلال والفساد والانحراف وما إلى ذلك… مما قد يعقد الدعوة إلى الثقافة الجنسية في المناهج التربوية، لا سيما في المراحل الابتدائية أو المتوسطة، وربما يتحرك في هذه المسألة بعض علماء الدين الذين قد يرون في هذا الاتجاه دعوة إلى إقحام الجيل المراهق في تجربة انحرافية جنسية، باعتبار أن الأجواء قد تثير في نفسه الفضول في اكتشاف الجنس من خلال علاقاتهم الخاصة ببعضهم البعض وقد يستشهدون على ذلك بالإحصاءات التي تنقلها الصحافة والكتب الاجتماعية حول الأوضاع الجنسية للمراهقين والمراهقات في بريطانيا وغيرها من الدول الغربية، حيث يكثر عدد الفتيات اللواتي يحملن من خلال علاقات جنسية .

وإن الثقافة الجنسية في عالمنا المعاصر أصبحت ضرورية، لأن أجهزة الإعلام المرئية والفضائيات وأفلام الفيديو أصبحت منتشرة داخل الأسرة العائلية، كما نلاحظ أن الكثير من الكتب الصفراء والأجواء الجنسية التي تحيط بالمجتمع بطريقة أو بأخرى، يحدث نوعاً من الفوضى في التطورات الجنسية للمراهقين والمراهقات وتقحمهم في حالة من حالات القلق، فيلجأون إلى اكتشاف هذه المسائل بطريقة غير علمية، وربما يحملون الكثير من الأفكار غير الواعية، إذ أن مسألة الجنس تعيش في المناخ الاجتماعي في شكل واسع، فالصغار قد يعرفون عن حقائق الجنس من خلال الأفلام، أكثر مما يعرفه الكبار .

ويجب أن يتم تدريس مادة التربية الجنسية من خلال إدخال الثقافة الجنسية بطريقة تربوية مدروسة ودقيقة، تحاول أن تدرس المستوى الذهني الذي يتمتع به الطلاب، سواء بقابليتهم لاستقبال هذه الثقافة، أو من خلال الإطار الاجتماعي الذي يتحركون فيه تبعاً للتقاليد الاجتماعية السائدة. كما يجب أن تتسع الدراسة مع تطور المراحل الدراسية. ومن الطبيعي أن يحتاج هذا إلى الكثير من التخصص التربوي والعلمي بالنسبة إلى من يقومون بتدريس المادة.

ومن الممكن أن نبدأ بتعليم الطلاب مفردات الجسم البشري، جميعها من دون استثناء سواء عند الذكر أو الأنثى، ليفهم الطلاب وظيفة هذه الأعضاء في شكل علمي، ولعلنا نعرف مثلاً أن الفقه الإسلامي أشار إلى علامات البلوغ عند الذكر. ما يعني أنه لا بد أن يعرف الطالب قبل مرحلة البلوغ هذه المسألة وماهية المادة التي تخرج منه وما هي وظيفتها .

أما مسالة الممارسة الجنسية وعملية الحمل ربما تحتاجان إلى الانتظار إلى مرحلة متقدمة من سني الدراسة، من خلال شرح تفاصيل الحمل عند الحيوانات أو ما شابه ذلك حتى نصل إلى الإنسان، لكن بطريقة علمية ومع إيجاد مناخ أخلاقي يبين حدود هذه العملية الجنسية من حيث الشرعية واللاشرعية والمسائل المترتبة عليها .
ولابد من التأكيد على المسألة العلمية في العرض ، إذ أن بعض الأفلام التي تعرض قد يخلق حالة من الإثارة مع وجود الجوع الجنسي والاجتماعي الذي يحيط الجنس بهالة من الحساسية، وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى نتائج سلبية، لكن الشرع لا يحرم ذلك، إذا لم يكن هناك عنصر إثارة.انتهى

والله أعلم