السؤال:

ما هو حكم جمع الأموال وتوزيعها في مصارفها الشرعية بواسطة المؤسسات الخيرية غير الحكومية؟ وهل يجوز لهذه المؤسسات أن تنفق جزأً من هذا المال على المصروفات الإدارية التي يستلزمها توزيع أموال الزكاة؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

فإن كان جمع الزكاة وتوزيعها على المستحقين من الواجبات على الدولة، فإن عدم قيام الدولة بمهامها لا يمنع أن يقوم غيرها به ، بل يتوجب على جماعة المسلمين القيام بهذا الواجب ، وقد ذكر الفقهاء أن الزكاة تسقط عن المسلم إن أداها بنفسه ، أو دفعها للدولة لتوزيعها ، أو أوكل عنه غيره، سواء أكان فردا أم جماعة ، وما تقوم به المؤسسات الخيرية من جمع وتوزيع الزكاة أمر مشروع محمود ، وللجمعية أو المؤسسةأن تقتطع جزء العاملين عليها من الزكاة ، ولكن فيما يخص جمع الزكاة وتوزيعها ، وليس لأنشطة أخرى .

يقول المستشار فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث :

اتفق العلماء على أن الزكاة تصرف إلى أصحابها بإحدى الطرق الثلاث:
1. أن يقوم المزكّي نفسه بصرفها إلى من يعرف من المستحقّين.

2. أن يدفعها لولي الأمر المسلم الذي يقوم بصرفها على المستحقّين لها، ويكون في هذه الحال وكيلاً عن المزكّي.

3. أن يدفعها إلى وكيل آخر ويفوّضه بصرفها على المستحقّين، ويمكن أن يكون هذا الوكيل فرداً أو جماعة.

وفي هذا العصر، ونظراً لفقدان ولي الأمر المسلم الذي يقوم بجمع الزكاة وصرفها على المستحقّين. ونظراً لضعف الروابط الاجتماعية واتساع المدن وكثرة المحتاجين غير المعروفين، أصبح من الصعب على المزكّي أن يعرف المستحقّين ويصرف زكاته لهم. فقامت الجمعيّات والمؤسسات الخيرية بهذه المهمة، وهي بلا شكّ أقدر على معرفة المستحقّين وصرف الزكاة إليهم، وصار أصحاب الحاجات يقصدونها ويطلبون منها، وهذا أسهل عليهم في معرفة من تجب عليه الزكاة.

هذه الجمعيّات تكون في مثل هذه الحالة بمثابة الوكيل الشرعي عن المزكّي. وهذا الأمر جائز باتفاق ولا نعلم فيه خلافاً.
وإذا قامت الجمعيّات بهذه المهمّة جاز لها أن تأخذ من الزكاة نصيب (العاملين عليها) خاصّة حين تكلّف من يقوم بجباية الزكاة، ودراسة أحوال المحتاجين لمعرفة مدى استحقاقهم للزكاة، ثم توزيعها عليهم.

ويلاحظ هنا أنّ الجمعيّات لا يحقّ لها أن تأخذ من هذا المصرف الزكاة إلاّ المصاريف الإدارية المتعلّقة بجباية الزكاة وتوزيعها دون سائر نفقات هذه الجمعيّات، وأنّ هذه النفقات لا يصحّ أن تزيد عن سُبُع مِقدار الزكاة في أقصى الاحتمالات باعتبار أنّ مصرف (العاملين عليها) هو (واحد من سبعة) حسب نص الآية الكريمة، وبعد زوال مصرف (تحرير الأرقّاء) بانتهاء الرِّق وذلك حسب رأي الشافعية.

والدليل على جواز أخذ الجمعيّات من نصيب (العاملين عليها) إذا قامت بجباية الزكاة وتوزيعها، أن الآية الكريمة خصّصت هذا المصرف للعاملين عليها دون أن تحدّد لهم أيّة صفة أخرى، فكل من عمل في جباية الزكاة وتوزيعها تحقّق فيه هذا الوصف، وجاز له أن يأخذ أجره من الزكاة، لا نعلم خلافاً حول هذه المسألة ….

ومن أخرج زكاته بنفسه جاز له ذلك حتى مع وجود الدولة. وهو جائز من باب أولى إذا لم توجد الدولة. ويجوز له أن يوكّل من شاء بإخراجها حتى مع وجود الدولة.

والوكالة شرعاً تصحّ لفرد أو لجمعية.

والواجبات الشرعية المنوطة بالدولة لا تسقط بعدم وجودها، بل تصبح على عاتق الأفراد والجماعات بحسب الاستطاعة، كإقامة العدل بين الناس. فكيف إذا كانت هذه الواجبات أصلاً على الأفراد كالزكاة؟
والله أعلم