السؤال:

فضيلة الشيخ: السلام عليك ورحمة الله وبركاته تقدم إلى خطبتي أحد الشباب معروف النسب والخلق غير أنه يعمل في مجال تلحين الأغاني فانقسمت الأسرة بين القبول والرفض لأن مهنته حرام، فهل هذا سبب كاف لرفضه، مع العلم أنه المتاح لديه من العمل الآن، نرجو من سيادتكم توضيح حكم الدين في هذا الأمر حتى يتسنى لنا أخذ القرار المناسب ولكم منا جزيل الشكر.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
إذا كانت الأغاني من النوع المباح كالأناشيد الإسلامية ففي هذه الحالة لا يكون مكسبه خبيثا، أما عن الارتباط به أو عدمه فهذا تحكمه اعتبارات أخرى، على أن طبيعة المهنة التي يمتهنا الخاطب تتنافى في الغالب مع ما أمرنا به من اختيار أهل التقوى والديانة والرزق الحلال .
أما إذا كانت الأغاني من التي تحث على المجون وشيوع الرذيلة في المجتمع وإثارة الغرائز، ففي هذه الحالة يكون مكسبه خبيثا .
يقول فضيلة الشيخ جعفر الطلحاوي من علماء الأزهر :

مع خالص دعائنا بأن يسوق الله تعالى إليك من الرجال من تقر به عينك، لصلاحه وتقواه، وطيب رزقه وكفاية من الحلال، ننصح بما هو آت :

أولا :ليست معرفة النسب، في حدها كافية في القبول لمن تقدم إليك، إذ المرء بأدبه لا بنسبه، وفي الحديث: “من تزوج امرأة لحسبها، لم يزده الله بها إلا ذلا” وهو ذات الأمر في المرأة إذا تزوجت أو إذا قبلت رجلا لحسبه أو لنسبه، إذ يوم القيامة لا تنفع هذه الأحساب ولا الأنساب، لقوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ

فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ) (المؤمنون: 101) .

ثانيا :يكفي لاتخاذ القرار والخروج من هذه الدوامة (دوامة الاختلاف في الأسرة)، وقوع الاختلاف في حد ذاته بين أفراد الأسرة، إذ الصالح والتقي لا يختلف عليه اثنان، فاختلاف أسرتك قرينة دالة وعلامة على عدم صلاح المضي قدما في هذا الطريق .

ثالثا :وعليه فاختلاف الأسرة فضلا عن طبيعة المهنة، التي يمتهنا المتقدم إليك، هذان الأمران يكفيان للرفض، ويكونان دعامة لإلحاحك على الله تعالى بالدعاء بأن يرزقك الله تعالى خيرا منه .

رابعا :أبواب الرزق الحلال مشرعة، لمن صدقت نيته، وصحت عزيمته، في الولوج إليها، ومن المعلوم أنه لا يمتهن أحد مهنة، ويجود فيها إلا ويكون قد عقد العزم عليها، وباشر أسبابها، وتعاطى أبوابها، وسبلها .
وعليه فليس صحيحا أن هذا هو المتاح لديه من العمل الآن .

خامسا: من النصوص الكثيرة في شقي الوحي (الكتاب والسنة) ما يشير إلى ضرورة أن تراعى التقوى والصلاح فيمن يتقرر قبوله زوجا وشريكا للحياة، ومن معالم طريق التقوى والصلاح، الرزق الحلال الذي لا شبهة فيه، والحلال بين والحرام بين .
من هذه النصوص قوله تعالى: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (النور : 32)
والآية الجامعة لصفات الصلاح والتقوى والتي ينبغي أن يتقرر قبول من تحلى بها، رجلا كان أو امرأة زوجا وشريكا في الحياة، هي الآية الخامسة بعد الثلاثين من سورة الأحزاب والتي يقول تعالى فيها: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ

وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ

فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب : 35)
سادسا: هذه مشورتنا، ونصيحتنا، ولم يبق عليك بعد ذلك إلا الاستخارة، ففي الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم…” إلى آخر دعاء الاستخارة .

وإن شئت ألزمت نفسك بهذه الجملة الدعائية، على كل حال أنت عليه، قائمة أو قاعدة، ماشية أو راكبة، تقولين: “اللهم خر لي واختر لي “.
والله أعلم.