السؤال:

نلاحظ أن بعض المتهاونين في تنفيذ أوامر الدِِّين إذا نصحناهم بالامتثال قالوا: حتى نقتنع فما حُكْم الدِّين في هؤلاء؟

الجواب:

من المعلوم لكلِّ مؤمن أن أفعال الله سبحانه لا تخلو من حكمة، ضرورة أنه حكيم عليم خبير، وقضية إيمان العبد بحكمة خالقه وسيده أن يُنَفِّذ أوامره دون سؤاله عن حِكْمَة هذه الأوامر؛ لأن هذا يُؤدي إلى أنه إذ لم يقنع رفض التنفيذ، وهذا هو موقف إبليس من أمر ربه له بالسجود لآدم، حيث إنه لم يقتنع بصواب هذا الأمر، وتناهى في الغرور بنفسه وفكره، فبرَّر الرفض بأنه خير من آدم جاء ذلك في قوله تعالى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْه خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَه مِنْ طِينٍ) (سورة الأعراف : 12).

بل إن هذا الموقف يؤول إلى اعتبار العقل أقوى من الله، وإلى الاستجابة إلى الهوى ورفض ما لا يتفق معه، وفي ذلك يقول الله سبحانه: (أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِه وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِه غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُون) (سورة الجاثية: 23)، وقد جاء في الحديث “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تِبْعًا لما جئتُ به” صحَّحه النووي في كتابه “الأربعين النووية” لكن البغوي في “مشكاة المصابيح” قال: هذا وَهْمٌ فالسَّند ضعيف، فيه نعيم بن حماد وهو ضعيف، وأعلَّه الحافظ ابن رجب بغير هذه العِلة، ورواه الحاكم ابن عساكر في أربعينه وقال: حديث غريب.

إن بعض الأحكام الشرعية قد تَخْفَى فيها حِكْمَة التشريع، ولكن ما دامت قد ثبتت فلابد من امتثالها، يقول الله سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون) (سورة البقرة : 216)، ولو أعمل الإنسان فكْره في أمثال هذه التكاليف الشاقة لعلم أنها حق، وقد يشير الله إلى ذلك في بعض آيات أخرى مثل قوله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ) (سورة البقرة : 251).

ولعلم الله سبحانه بطبيعة الإنسان الذي يغريه بالعمل إيمانه بفائدته يبيِّن كثيرًا في تشريعاته الحكم والفوائد المترتبة عليها بأسلوب يتناسب مع بلاغة القرآن، كما قال في حكمة الصيام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) (سورة البقرة : 183)، فالحِكْمَة هي التقوى وتوضيح ذلك يطول.

وكما قال في حِكْمَة الصلاة (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (سورة العنكبوت: 45).

وقال في تشريع القَصَاصِ (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) (سورة البقرة : 179).

وقال في تحريم الخمر والميسر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون . إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ والْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون) (سورة المائدة : 90، 91).

وفي بعض الأحيان تأتي التكاليف مُجَردة عن بيان حِكْمتها، وذلك أسلوب من أساليب امتحان العبد لظهور مدى إيمانه بحِكْمَة الله في أوامره ونواهيه، فالمؤمن الصادق يُسارع إلى الامتثال، مُطْمَئنًا إلى عدالة التشريع، وغير الصادق يتوقَّف، فإن فَهِمَ الحِكْمَة فكَّر في الامتثال، وإن لم يفهم سوَّلت له نفسه الرفض أو التكاسل، ومن هنا يكون امتثاله شكليًّا كفعل المنافقين الذين قال الله فيهم: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُون) (سورة التوبة : 54).

يقول الإمام الغزالي في كتابه: “إحياء علوم الدين: ج 10 ص 111”: واجبات الشرع ثلاثة أقسام: قسم هو تعبُّد محض لا مدخل للحظوظ والأغراض فيه، وذلك كَرَمي الجَمَرَاتِ مثلاً، إذ لا حظ للجمرة في وصول الحصاة لها، فمقصود الشرع فيه الابتلاء بالعمل، ليُظْهِرَ الْعَبد رِقَّه وعبوديته بِفِعْل ما لا يُعْقل له معنى؛ لأنَّ ما يُعقل معناه فقد يساعده الطبع عليه ويدعو إليه، فلا يظهر به خلوص الرِّق والعبودية.

والقسم الثاني من واجبات الشرع المقصود منه حظ معقول، وليس يقصد منه التعبُّد، كقضاء دَيْن الآدميين ورد المغضوب، فلا جرم لا يعتبر فيه فعله ونيته، ومهما وصل الحق إلى مستحقه بأخذ الحق أو ببدل عنه عند رضاه تأدَّى الوجوب وسقط خطاب الشرع.

القسم الثالث: هو المركب الذي يُقصد منه الأمران جميعًا، وهو حظ العباد وامتحان المُكَلَّف بالاستعباد، فإن ورد الشرع به وجب الجمع بين المعنيين، ولا ينبغي أن ينسى أدق المعنيين وهو التعبُّد والاسترقاق بسبب أجلاهما، ولعل الأدق هو الأهم… والزكاة من هذا القبيل…

وقال في صفحة 240: وإذا اقتضت حِكمة الله ـ سبحانه وتعالى ـ ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هو طباعهم، وأن يكون زمامها بيد الشرع، فيترددون في أعمالهم على سُنن الانقياد وعلى مُقْتَضى الاستعباد كان ما لا يهتدي إلى معانيه أبلغ أنواع التعبيرات في تزكية النفوس وصرفها عن مقتضى الطباع والأخلاق إلى مقتضى الاسترقاق، وإذا تفطنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبدات. انتهى.

بعد هذا البيان الشافي من كلام الغزالي لا يجوز لأحدٍ يُوجّه إليه النصح بالالتزام بأحكام الدين أن يقول: حتى أقتنع، فذلك هو مَسْلَكُ الشيطان، وقد حذَّرنا الله من اتِّباعه؛ لأنه عدو مبين. إن كثيرًا من التكاليف جاء النداء بها بوصف الإيمان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يعني ما دمتم مؤمنين بالله فعليكم أن تتقبَّلوا كلَّ تكاليفه بنفس راضية مُطمئنة، تحقيقًا لعبوديتكم الخالصة لله ـ سبحانه ـ وإيمانكم القوي بعدله وحِكمته، ولنعلم جميعًا أن رفض حُكْمِ الله كُفْر، وأنَّ التهاون فيه مع الإيمان به عصيان وفسوق. وهو سبحانه يقول: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَه لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعِكُمْ فَيُنَبِئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون إِنَّه عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (سورة الزمر : 7).